تداعيات اعتقال مادورو.. الأمم المتحدة: المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان لا تتم بالتدخل العسكري

تداعيات اعتقال مادورو.. الأمم المتحدة: المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان لا تتم بالتدخل العسكري
رافينا شامداساني

أعربت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عن قلق بالغ إزاء التطورات الدراماتيكية التي شهدتها فنزويلا، عقب العملية العسكرية الواسعة التي نفذتها الولايات المتحدة، وأسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى خارج البلاد، وأثارت هذه الخطوة ردود فعل دولية متباينة، وسط تحذيرات أممية من تداعياتها القانونية والسياسية على النظام الدولي وعلى مستقبل الاستقرار الإقليمي.

ونقلت وكالة الأنباء القطرية، الأربعاء، تأكيدات رافينا شامداساني المتحدثة باسم مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك المفوضية، بأن العملية العسكرية الأمريكية تشكل انتهاكا خطيرا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مشددة أن المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان لا تتم بالتدخل العسكري.

مساس جوهري بمبدأ السيادة

اعتبرت مفوضية حقوق الإنسان أن ما جرى في فنزويلا يمثل تقويضا مباشرا للحماية الأساسية التي تتمتع بها الدول ذات السيادة، وأوضحت شامداساني أن ميثاق الأمم المتحدة ينص بوضوح على حظر التهديد باستخدام القوة أو استعمالها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، مشددة على أن العملية العسكرية الأمريكية تخرج عن هذا الإطار القانوني الملزم لجميع الدول الأعضاء.

وأضافت أن هذا النوع من التدخلات الأحادية لا يقتصر أثره على الدولة المستهدفة فحسب، بل ينعكس سلبا على منظومة الأمن الجماعي، ويجعل العالم بأسره أقل أمانا، لأنه يفتح الباب أمام تبرير استخدام القوة خارج الشرعية الدولية.

الأمن العالمي في دائرة الخطر

حذّرت المفوضية من أن التدخل العسكري في فنزويلا يخلق سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، ويضعف الثقة في النظام القائم على القواعد، وأكدت شامداساني أن المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان، مهما بلغت خطورتها، لا يمكن أن تتحقق عبر تدخلات عسكرية أحادية الجانب تنتهك القانون الدولي، وأشارت إلى أن مثل هذه العمليات قد تؤدي إلى تصعيد غير محسوب، وتغذي دوامات من العنف وعدم الاستقرار، خاصة في مناطق تعاني أصلا من هشاشة سياسية واقتصادية، ما يفاقم معاناة المدنيين ويقوض فرص الحلول السلمية.

حق تقرير المصير أولاً

شددت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان على أن الشعب الفنزويلي وحده هو المخول بتحديد مستقبل بلاده، دون إكراه أو تدخل خارجي، وأكدت أن احترام حقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في تقرير المصير والسيادة على الموارد والحياة السياسية، يشكل الأساس لأي مسار شرعي نحو التغيير أو الإصلاح.

وقالت شامداساني إن أي جهود دولية تهدف إلى دعم حقوق الإنسان في فنزويلا يجب أن تنطلق من الحوار، والآليات القانونية الدولية، والتعاون متعدد الأطراف، وليس من خلال القوة العسكرية التي تنتهك سيادة الدول وتعرض المدنيين لمخاطر جسيمة.

تفاصيل العملية العسكرية

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن يوم السبت الماضي عن شن ضربات عسكرية واسعة النطاق ضد فنزويلا، استهدفت مواقع وصفها بالحيوية والاستراتيجية، من بينها أهداف في العاصمة كاراكاس. وبحسب التصريحات الأمريكية، فإن العملية أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى الولايات المتحدة تمهيداً لمحاكمتهما أمام القضاء الأمريكي.

وأثار هذا الإعلان صدمة واسعة في الأوساط السياسية والدبلوماسية، نظرا لكونه يمثل تصعيدا غير مسبوق في التعامل مع حكومة قائمة ومعترف بها دوليا، بغض النظر عن الخلافات السياسية أو الاتهامات الموجهة إليها.

انقسام دولي وردود متباينة

أعادت التطورات في فنزويلا إلى الواجهة الانقسام العميق داخل المجتمع الدولي بشأن سبل التعامل مع الأزمات السياسية وملفات حقوق الإنسان، ففي حين أيدت بعض الدول الخطوة الأمريكية باعتبارها ردا حاسما على ما تصفه بانتهاكات جسيمة وفساد ممنهج داخل النظام الفنزويلي، حذرت دول أخرى من أن ما جرى يمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي وتهديدا لمبدأ عدم التدخل.

ويرى مراقبون أن موقف مفوضية حقوق الإنسان يعكس قلقا متزايدا داخل منظومة الأمم المتحدة من تآكل القواعد التي تحكم العلاقات بين الدول، خاصة في ظل تصاعد النزاعات واستخدام القوة خارج إطار مجلس الأمن.

تداعيات على الداخل الفنزويلي

على الصعيد الداخلي، يخشى خبراء من أن تؤدي هذه التطورات إلى مزيد من عدم الاستقرار في فنزويلا، التي تعاني منذ سنوات من أزمة سياسية واقتصادية خانقة، فاعتقال الرئيس ونقله إلى الخارج قد يخلق فراغا في السلطة، ويفتح المجال أمام صراعات داخلية أو تدخلات إضافية، ما ينعكس سلبا على أوضاع حقوق الإنسان والمعيشة اليومية للمواطنين.

وأكدت مفوضية الأمم المتحدة أن حماية المدنيين وضمان حقوقهم يجب أن تظل أولوية قصوى، داعية جميع الأطراف إلى ضبط النفس وتجنب أي خطوات من شأنها تصعيد العنف أو تعميق الانقسام.

تعاني فنزويلا منذ أكثر من عقد من أزمة متعددة الأبعاد تشمل انهيارا اقتصاديا حادا، وتضخما غير مسبوق، ونقصا في الخدمات الأساسية، إلى جانب صراع سياسي محتدم بين الحكومة والمعارضة، وقد فرضت الولايات المتحدة ودول أخرى عقوبات واسعة على كاراكاس، متهمة السلطات بانتهاك حقوق الإنسان وتقويض الديمقراطية، وفي المقابل، تؤكد الحكومة الفنزويلية أن العقوبات والتدخلات الخارجية هي السبب الرئيسي في تدهور الأوضاع.

ويأتي التدخل العسكري الأمريكي الأخير في سياق هذا التوتر المزمن، لكنه يمثل تصعيدا نوعيا يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل السيادة الوطنية، ودور القانون الدولي، وحدود استخدام القوة في معالجة الأزمات السياسية وحقوق الإنسان.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية